الرئيسية / حكايات / حين اتصلت ثلاث مرات برجلٍ ميت! قصة عن المرض والموت.
o-OLDER-MAN-SAD-570

حين اتصلت ثلاث مرات برجلٍ ميت! قصة عن المرض والموت.

كان أبى يعشق سرد القصص، يحب تطويلها وإضافة الغموض عليها، يستمتع بترقب المستمعين بينما هو يصمت قليلا قبل ان يحكي جزءا محوريا من القصة، إلا انه كان يتخلى عن كل مهاراته فى السرد حين تأتى قصة المهندس محمود،لم تكن القصة قابلة لأن تُحكى باستمتاع أو أن تستعمل كأسلوب للتشويق او تمضيه الوقت فى جلسة سمر، كانت مثالاً للألم والوجع والتحسر، كان يحكيها بتألم، ولم أره مخلصاً لقصة أو شخص كما أخلص لقصة هذا الرجل.

كان م/ محمود يزورنا على فترات، كنت أعلم انه حدث غير عادى من تهجم وجه أبى واهتمامه، من سعيه الدؤوب والكتوم جدا لتقضية حاجة هامة يقضيها دوماً وينشغل بها عدة أيام حين يزورنا المهندس، كبرت ومع الوقت عرفت ما كان يفعل أبى، عرفته بسبب فضولي الدائم، وإلا فانه بالفعل كان يؤدى هذه المهمة بسرية تامة.

كان المهندس محمود مريضاً بشدة، يبدو هذا جلياً فى شحوب وجهه الشديد، وجسده الهزيل، ولون جلده الذى يكاد أن يكون أبيض، عرفت أنه كان صديقا لأبى منذ سنين طويلة، يبدو انها كانت معرفة اثناء التهجير الشهير لأهل مدينتنا بسبب الحرب والقصف، ويبدو أن المعرفة التى تنشأ فى أجواء مثل هذه من الصعب أن تندثر، كبرت أكثر وبدا لأبى أنه من الممكن أن يستوعب عقلى الان قصة م/محمود، تقريبا حكاها لى فى دقيقة واحدة، قال لى يوما متأثرا:

“هل تعلم أنه اصيب بالفشل الكلوى مباشرة بعد تخرجه من كلية الهندسة، لقد قدر الله له أن يمرض بعد تخرجه، ربما ليستفيد من دعم نقابة المهندسين، ليس له عائلة الا اخوته، وعلاجه مكلف ولولا لطف الله به ثم دعم النقابة، فلا نعلم كيف كان سيتعالج، لم يعمل بالهندسة يوما واحدا”

كان م/ محمود يقيم فى القاهرة ويأتى لزيارتنا فى بلدتنا على فترات، كنت أحب زياراته، كان هو وأبي وأعمامي يجلسون ليلاً لتدور بينهم حوارات لم أكن لأسمعها فى وقت اخر، كان يبدو لهم كشخص ملهم، مقاتل، وكان غزير القراءة، لذا دوما ما كان يبهرهم، فى الحقيقة هو يملك كل الوقت، لذا يقضيه فى القراءة، فبخلاف اليومين الذى يقضى فيهما النهار كاملا فى غسل كليتيه، فباقى الاسبوع كله له، لا عمل، لا زوجة، لا أطفال، كان المرض قد سرق منه كل حياته، لكنه لم يتركه جثة، تركه شخصا ملهما، كان يأتى كحدث جميل ثم يرحل، كنت أرى الدمع فى عين أبى وهو يودعه ويعطى له ما عرفت فيمابعد أنه المال الذى استطاع تأمينه خلال عدة أيام. رأيت هذا الموقف مرة ولم استطع نسيانه.

إلا أن زيارات المهندس انقطعت فجاة، فهمت أنه صار مريضا بشدة، ولم يعد باستطاعته السفر او مغادرة القاهرة.  علمت حينها أن تلك الليالى التى كان أبى وأعمامى يقضونها معه فى سمر ممتع قد ذهبت الى غير رجعة.

على أن القدر كان يخبأ لى لقاءً طويلاً ممتداً مع الرجل.. فى الواقع كانت لقاءات وليس لقاءً واحداً .. كان القدر كريما معى!

فى أحد سنواتى فى الجامعة فى أوائل الألفينات الميلادية، ولأسباب بيروقراطية معقدة توقفت اجراءات اتمام سكنى الجامعى فى القاهرة، ببساطة فوجئت ان العام الدراسى قد بدأ وانا بلا سكن! وبلدتى تبعد عن القاهرة ساعتين بالسيارة، كان موقفا عسيرا، اجراءات التسكين الجامعى قد تتأخر اسبوعين أو أكثر، فما العمل؟

“روح للمهندس محمود”

كذا قال أبى مؤكداً أن الرجل يريد أن يرانى وأن يستضيفنى عنده حتى انتهاء مشاكلى مع التسكين الجامعى، كانت أمى قلقة جداً كعادة الأمهات التى لا يكففن عن القلق، كيف سأقيم مع مريض بالفشل الكلوي، إلا أن أبى لم يلتفت لهذا القلق، أما أنا فكان الحماس والفضول يقتلنى، هذه فرصة لا تعوض، ووجدت نفسي وجها لوجه مع هذا الرجل الأسطوري ذا الجلد الشاحب و الجسد الهزيل.

يوما ما قرأت جملة بإحدى القصص معناها: “انتبه عندما تستمع للمسنين، هم يتكلمون عن خبرة، انتبه جيدا لحكمة المنتهين” لم يكن المهندس محمود مسناً وقتها، لكنه عاش ألما عريضا وحياة قاسية، ولم أكن وقتها أعلم أنى جئت بعد عدة سنوات لأقضي معه آخر أيامه، معه كنت أستمع إلى حكمة المنتهين بالفعل.”

لم اعرف معنى الموت الا بعد هذا اللقاء، كان الموت ولا يزال غامضاً مهيباً متشحاً بالسواد، لا يعطى سره لأحد، نحن نجتهد اجتهاداً مريراً لنفهم الحياة كمعنى موجود، فكيف نفهم العدم. العدم فعل قاس، لا مجال فيه للعذر أو التراجع ، لا مجال لمراجعة الأخطاء أو اتخاذ قرار اخر .. العدم فعل مستبد.

كنت أستمتع بمراقبته، كان هادئاً ابداً، مبتسماً دوماً، رغم علته الواضحة كان يترك أولاد اخيه يلعبوا معه ،يتسلقوا حجره وظهره، يزجر أباهم حين يأمرهم بالابتعاد عنه حتى لا يتعبوه، يخفى تألمه لكى لا يعبس فى وجه الأطفال، كنت أعلم اليومين اللذين يذهب فيها لغسيل كليته، كنت اعود من الجامعة فلا أجده بالبيت، يأتى بينما أنا نائم فيدخل غرفته لينام عدة ساعات من فرط الارهاق، لم أحاول أن اعرف كيف يتم غسيل الكلي ولم يشرح هو، لكن يبدو انه يظل ممدداً لعدة ساعات بجوار جهاز ضخم يعمل عمل الكلية، بينما عدة خراطيم تخترق جسده وتقوم بتصفية وتنقيه دمه الذى عجزت كليتاه عن تصفيته.

يوماً ما قال لى بهدوء: “احرص على أن تكون مهندساً جيداً، ذاكر وتعلم بجدية، الآن لايبدو لك أى شئ واضح، لكن بعد ان تتخرج ويتقدم بك العمر ربما تندم على تقاعسك فى الدراسة، ربما تندم على الايام التى أضعتها ولم يكن يجدر بك ذلك، احرص على أن تكون محترفا”

قضيت معه عدة ليال رائقة، بلا توتر ولا قلق، كانت حياته أبسط من أن يعقدها شئ، بيته بسيط جداً وفقير أيضاً لكنه عامر بالرضا، له أريكه فى صدر المجلس لا يجلس على غيرها، ملابسه وأدواته الشخصية نظيفة إلى أبعد حد، يجلس دوماً واضعاً غحدى ساقيه النحيلتين على الأخرى، كنت كل يوم أعرف وأتيقن من شئ واحد، هذه الحياة تافهة جداً، كل هذا الضجيج الخارجى هو لا شئ، نفاق يأكل يعضه، لا أغلى فى هذه الحياة من العافية.

يوماً ما قال لى: ” أريد أن أسمع الشيخ عبد الباسط عبد الصمد” لم أجد شريطاً له فى هذه المنطقة لعلك تبحث لى فى وسط البلد! طبعاً كان المسجل وقتها هو الطريقة الوحيدة لديه ليستمع الى مقطع صوتي، أتيته ليلتها بعدة أشرطة، ظل على كرسيه الذى لا يغيره يستمع للأشرطة ويكررها عدة مرات خلال عدة ليال، يستمع بخشوع وتأمل عجيب، سررت أنى أدخلت على قلبه سروراً..

انتهت إقامتى معه سريعاً، عدت الى سكني الجامعي وانشغلت فى دوامة الدراسة، بعدها بعدة اسابيع أحببت أن اسأل عليه، لم تكن الجوالات وقتها خياراً مطروحاً إلا للأثرياء، ذهبت الى كابينة الاتصال واتصلت ببيته، لم يرد. فكرت أن هذا اليوم لا يقوم فيه بالغسيل، وليس من عادته أن يخرج من البيت اصلاً إلا للمسجد فقط، حاولت فى اليوم الثانى أن أتصل فلم يجيبنى إلا العدم، وكذا فى اليوم الثالث.. وقتها قلت ان هاتفه بالتأكيد معطل، هذه اشياء تحدث كثيراً، منذ متى سلمت هذه الأجهزة من الأعطال، لكن يبدو أن الذى تعطل هذه المرة كان شيئاً أهم من الهاتف ومن كليتي المهندس محمود.

اتصل بى أبى بعد عدة ايام، وباقتضاب شديد أخبرنى : ”  البقاء لله، المهندس محمود مات”

جف حلقى وتعثرت الكلمات، ولسبب لا أعرفه حتى الآن أصبت بتبلد عجيب، فقط فكرت فى فكرة واحدة.. أني لن أذهب إلى هذا البيت البسيط مرة اخرى، أنى لن اجده جالساً على أريكته المعتادة واضعاً ساقه النحيلة فوق الأخرى، وأن بعض الهدوء والسكينة والثقة قد اختفى من هذا العالم..

بت ليلتي هذه متعباً من أثر الصدمة إلا أنه كان لدي يقين أن أحدهم قد استراح أخيراً.

__

رشدى عثمان

بريده 2014

___________________

ملحوظة : “الصورة لشخص يشبه ببطل القصة”

 

برنامج مخصص من زبادي ومشي

عن م.رشدي عثمان

مؤسس مدونة زبادي، أكتب عن الغذاء الصحي والرياضة والإيجابية، خسرت 60 كجم من وزني، أهوى مشي المسافات الطويلة.

شاهد أيضاً

IMGP1112

ما معنى ” زبادى ومشى ! “

عندما بدات معركتى الثانية مع السمنة فكرت إيجابيا فى استغلال تويتر ومحاولة استخدامه كنوع من …

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *