الرئيسية / حكايات / قصة ماراثون !
freedom-3

قصة ماراثون !

 ” إعلم أن الخلق منذ خلقوا ما زالوا مسافرين وليس لهم حط عن رحالهم إلا في الجنة أو النار”

طاووس التابعى

************

فلسفيا المشى هو الحركة الديناميكية الوحيدة التى تتوافق مع هدفك الأسمى فى هذه الحياة، صنف الإمام الجليل العارف عبد الله الأنصارى الهروى كتابا ماتعا سماه “منازل السائرين”، فليس ثمة أحد إلا وهو سائر، وتعقيبا على هذا الكتاب الجليل صنف الإمام ابن القيم كتابه الشهير : “مدارج السالكين”. العارفون يقولون: “كل فعلك فى هذه الحياة سيرُ الى الله تعالى، فللقلب سير لا يتوقف، فأى نية صالحة فى كل عمل مهما صغر شأنه أو عظم ، سير الى الله” ، هكذا وصف أطباء القلوب سير القلب، أما أطباء الأبدان فاقتربوا من هذا المعنى، فقالوا : إن لم  يسر جسدك يوميا فاعلم انك عطلته عن احد وظائفه فى هذه الحياة، هكذا صارت قناعتى مؤخرا، وبغض النظر عن القلب وأحواله، بدأت أشعر أن جسدى متوقف عن الحياة طالما أنه لم يسر، زاد من هذه القناعة افتتانى بالمشى الطويل، ذلك المشى كان يجسد هذا المعنى بعمق ساحق، تخيل أن تمضى عدة ساعات وأنت تسير، لابد أن يثير فيك هذا شيئا ما، ستطفو الأسئلة حتما عن معنى الحياة، وعن الهدف، عن ميكانيكية جسدك ، عن معنى انك لابد مرتحل، بقى فقط أن تحدد هوية الرحلة وهدفك منها.

************

كانت تلك السيدة ذات صوت رخيم، لكنتها الانجليزية متقنه الى حد فخم يليق بمذيعات المطارات الفارهة، كانت تخبرنى عبر سماعات الجوال مقدار المشى الذى مشيته بالكيلومتر، وسرعتى والزمن المستغرق في المشي، كان من الصعب أن أتخيل أن وراء هذا الصوت الفخم كمية معقدة من اللوغاريتمات الحسابية والمستشعرات المعقدة فى جهاز الايفون والمرتبطة بقمر صناعى يراقب مكانى بدقة على الخريطة، يبدو الامر مرعباً بشكل ما، فلننس الحسابات المعقدة ولنكتف إذن بصوت السيدة الفخم، تعودت أن اصدقها، كان صوتها الجاد يخبرنى الآن أنى قد أنهيت 40 كلم من المشى، كان هذا معناه انى لأول مرة أصل الى حدود الأربعين كلم فى المشى، ومعناه أنه بقى 2.2 كلم حتى أنهى سباق الماراثون، راودني شعور مختلط، واندفعت عدة ذكريات الي عقلي المجهد من حرارة الشمس ، لا شعوريا تذكرت موقفا قديما، حدثت لي انتقالة كاملة في الزمان والمكان، من قلب نجد الي وسط القاهرة وموقف حدث منذ عام ونصف.

كان يوما قائظا شديد الحرارة، كنت مازلت أحتفظ بكتلة جسمى كاملة من غير نقصان، شاب فى مقتبل الثلاثينات وزنه 160 كجم، كتلة تحملها ساقاه مرغمة مضطرة، لم أكن قد زرت معرض الكتاب بالقاهرة منذ عدة عوام بسبب توافق ميعاده خلال السنوات الأخيرة مع تواجدى خارج مصر فى عملى بالمملكة العربية السعودية، هذا العام كنت متواجدا بالقاهرة وكان من المستحيل أن أفوت هذا الحدث العزيز على قلبى، كان معى صديقان، من زار المعرض يعرف أنه يحتل مساحة شاسعة ، كنت أتنقل بين دور النشر أشاهد الكتب وانتقى أصدقائى الجدد : كتبى الجديدة، مضت عدة ساعات قليلة من المشى المتقطع جدا ، ربما لا يتجاوز فى مجموعه 5 او 6 كيلو مترات، مجهود زائد قليلا قد يشعرك بالاجهاد والتعب، لكن معى كان الأمر مختلفا، كان هذا المجهود في ذلك الوقت كافيا لشخص فى لياقتى ووزنى لكى .. يموت.

بعد الظهر بدأت أعراض الصداع المرير،حسنا، ليس هذا بجديد، كان الصداع رفيقا دائما لا يتخلى عنى، وصلنا الى حالة من التفاهم والتآخى، وصارت أقراص الباندول الأحمر بمثابة الهواء الذى أتنفسه، انتهينا قرب العصر بينما وتيرة الصداع ترتفع بجنون، خرجت من المعرض مع صديقاي متوجهين الى احد الكافيهات المفضلة عندى لتناول قهوتنا الاثيرة، كان الاصدقاء مرحين وفرحين بينما شعرت اني مقبل على الاحتضار!
كان الصداع قد وصل الى مرحلة لم أظن أنى قد جربتها فى حياتى، كنت أشعر حرفيا ان هناك منشارا عملاقا يقص رأسى الى نصفين، رجوتهم ان نذهب للكافيه سريعا لانى احتاج الراحة، وصلنا الكافيه وانا تقريبا اود ان أبكى من الالم، الم أكن قد بكيت فعلاً، ارسلت صديقى الي أقرب صيدلية ليشتري لي الباندول، تناولت ثلاث حبات دفعة واحدة وذهبت الي دورة المياه لأغسل وجهي، في دورة المياه شعرت بأول أعراض الإغماء، للحظة شعرت أن روحي تنسحب من جسدي وأني أموت.

لكنى بالطبع لم أمت يومها، كذلك لم أشرب القهودة مع أصدقائى، ظللت ممددا على اريكة الكافيه ما يقارب نصف ساعة، كنت أشبه بجثة ضخمة منزوع منها الحياة، ولولا النفس الذى يدخل ويخرج لتيقن من حولى أنى ميت، كان هذا من أسوأ أيامى مع السمنة، ذكرى أخرى تنضم الى صندوق ذكريات السمنة الأسود، كرهت نفسى يومها وكرهت السمنة أكثر.. حاولت أن أنسى الموقف كعادتى السابقة فى نسيان وتجاهل تأثير السمنة على حياتى، لكن هذا الموقف ولسبب ما ظل محفورا فى ذهنى .. ظل مثالا واقعيا لأقصى درجات العجز البشرى التى عشتها، ذلك العجز الذى كفرت عنه بعد عام ونصف، حين أعلنت السيدة ذات الصوت الفخم أنى قد أنهيت 42.2 كلم من المشى فى سبع ساعات متواصلة.

لم يكن الماراثون نوعا من المباهاة أو المفاخرة أو رغبة طفولية فى لفت النظر، كان نوعا من تصفية الحسابات القديمة مع جسدى، لقد عرفت وعشت مع هذا الجسد أقصى درجات العجز، وحان الان أن أعرف أقصى ما لدية من قوة تحمل، لذلك كنت دوما أمشى وحدى، هذه مسالة خاصة بينى وبينه، نصفيها سويا، يخبرنى بسره، ونتعرف على بعضنا بعمق أكبر.

أنهيت الماراثون، لا أعرف هل هذا شيئا يجعلنى سعيدا أم لا، كانت مجرد معلومة أضيفها الى معلوماتى عن جسدى، مجرد أنى كنت هناك، لقد زرت جسدى وهو على مشارف الماراثون، شكرته لا شك، وعدته أن أهتم به أكثر، وأن أحافظ عليه.

.. تصالحنا أخيرا، وصفينا حساباتنا القديمة. نحن الآن اصدقاء.

#بتاع_المشي

برنامج مخصص من زبادي ومشي

عن م.رشدي عثمان

مؤسس مدونة زبادي، أكتب عن الغذاء الصحي والرياضة والإيجابية، خسرت 60 كجم من وزني، أهوى مشي المسافات الطويلة.

شاهد أيضاً

great_ocean_walk_gor_r_1374425_819x283

كيف جعلني المشي أخسر 60 كيلو جرام

يتردد كثيرا سؤال: هل المشي كافي لخسارة الوزن؟ المشي تمرين هوائي تنفسي يقوم برفع نبضات …

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *