الرئيسية / تحفييز / خدمة الجسد
Ab-workout-for-Men-1

خدمة الجسد

أتوقع أن مجتمعاتنا الحديثة قد عودتنا على إيلاء عناية خاصة لخدمة أجسادنا، بتلبية طلباتها بشكل فوري غالبًا، وعدم حرمانها من أي شيء تشتهيه، إننا في الغالب ـ ولأسباب متباينة جدًا ـ لا نبخل  على أجسادنا بأي شيء. يبدو لي فيما أرى أن الأولوية الأولى في حياتنا حين نتعامل مع أجسادنا هي أن نريحها وأن «ندللها» كلما سنح لنا ذلك!

في المجتمعات والبيئات العاملة  نجد أننا مرهقون بشكل دائم؛ نعيش عدة ساعات من يومنا تحت ضغط وإرهاق عصبي لا ينقطع، نواجهه في أعمالنا المطلوبة، أو في مواجهات أشخاص يطالبوننا بأعمال فوق طاقتنا، ثم بمجرد أن ننهيها نفاجأ بالمزيد والمزيد من الأعمال والمتطلبات، إن جهازنا العصبي مرهق بدرجة بالغة؛ تحت وطأة كل هذه الأعمال، ناهيك عن طوفان الأخبار والمعلومات الذي ينجرف من مواقع التواصل الاجتماعي أو من منصات الإعلام التي لا تهدأ.

في أحيانٍ أخرى نتعرض لضغوط عاطفية أو جسدية من مؤثرات مغايرة، ولكنها جميعًا تُنتج نتيجة واحدة: إن اتزاننا يختل بلا شك، لذا نظل نبحث عن اللحظة التي نلتقط فيها أنفاسنا، والتي غالبًا ما تكون حين نبدأ في تناول  الطعام، أو حين نخلد للراحة في نهاية اليوم، وقتها نجد أننا نتعامل مع الطعام كمهدئ، ومع الراحة والخمول كاستحقاق لا يحق لأحد أن ينازعنا فيه، «أنا أستحق هذه الراحة، ولن ينتزعها مني أحد»!

حين نستخدم الطعام كمهدئ نميل إلى تناول وجبات غنية بالسعرات الحراية، وخالية «في الغالب» من أية فوائد صحية، إننا نبحث عن المتعة فقط، تلك المتعة التي نرى أننا نستحقها لاستعادة اتزاننا، وغالبا ما نجد هذه المتعة «وفق برمجة عقولنا المعتادة»في الأغذية الدهنية، أو تلك التي تحتوي على كميات عالية من السكر، إن مصنعو الطعام يعرفون هذا تماما، «بل هم الذين برمجونا عليه في الواقع»، لذا فإنهم يجعلون هذه الأطعمة في متناول أيدينا، وأعيننا، طول الوقت، فلا نفكر في غيرها، مَن هذا الذي  يمتلك بالًا رائقًا وسط هذه الضغوط لإعداد وجبة طعام «حقيقي» كالتي كان يتناولها أجدادنا؟ أبدًا لست من دعاة «أكل المستشفيات»، ولا من دعاة الحرمان لأجل النحافة، في الحقيقة أنا أعتبر نفسي من عشاق الطعام ومتذوقيه، وربما أنا أكتب هذا لأني لا أريد أن أحرم نفسي أو أحرمكم من متعة الطعام!

كذلك حين نرى الراحة كاستحقاق، ونرى تجمدنا أمام جوالاتنا أو شاشات الكمبيوتر أو التلفاز هو ذلك الوقت الذي نسدي فيه الجميل لأجسادنا المتعبة طول اليوم، كل ذلك هو بحث عن الراحة وإعادة الاتزان، لكن وللأسف فإن الأمور لا تسير هكذا، وما نظن أنه بالفعل خدمة لأجسادنا هو في الحقيقة عقابٌ لها!

شخصيًا، وبعد تجربة طويلة مع التوتر وانعدام الاتزان والبحث عن راحة وخدمة الجسد «بالمفهوم السابق»، وبعد تجربة مضنية مع السمنة والمرض، تيقنت أن هذه الخدمات كانت هي أسوأ ما قدمته لجسدي، كانت عقابًا حقيقيًا وانتقامًا مزريًا على ذنب لم يرتكبه هذا الجسد المسكين.

مخطئون جدًا حين نظن أننا بها الأفعال نخدم أجسادنا؛ إننا، وبلا مبالغة، ننتحر! إن نمط الحياة التي يقوم على التوتر الدائم، وتناول أغذية غنية بالسعرات الحرارية الفارغة عديمة النفع، والجلوس الطويل بلا حركة، والانعدام التام للرياضة كأولوية في حياتنا، كل هذه التداخلات تؤذينا على المدى البعيد، تؤذي أجسادنا وتجعلها مترهلة قبيحة المنظر، تؤذي قلوبنا وضغط دمنا، وكلما استسلمنا لها كلما عظم مقدار الخسارة التي سنشعر بها لاحقًا، ولعل المفارقة التي أود التركيز عليها بهذا الإسهاب أننا نفعل كل تلك التداخلات المؤذية، بينما نحن مقتنعون أننا «نخدم أجسادنا»!

في فيلم الرسوم المتحركة التي أنتجته «ديزني وبيكسار*» نجد البشر الذين قضوا حياتهم على متن سفينة فضائية كل شيء فيها يدار بالآلات وتتم «خدمة» البشر فيها بأعلى مستويات الرفاهية، نجد البشر قد تحولوا إلى أشكال هلامية مترهلة ملتصقة بكراسي الشيزلونج التي تطفو بلا توقف،  كائنات لا هم لها، إلا العبث بالأزار وتناول المشروبات السكرية، كائنات عاجرة كليًا لدرجة أنها نست «حرفيا» معنى المشي، وصار فعل «يمشي» تعبيرًا مندثرًا لا وجود له، إلا في القواميس! هل تخيلت «بيكسار» مستقبلنا بهذه القسوة؟

القيمة..

حين يعاد تأهيل المدمنين يواجه مدربوهم تحدٍ كبير؛ لأنهم يأتون فاقدي المعنى تمامًا، ما الذي يجبر هذا الشخص المدمن على أن يتحمل كل هذا الضغط الهائل المتمثل في مقاومة السموم التي يطلبها جسده بلا هوادة؟ إنهم يلجأون لحل فعال وناجح، ألا وهو غرس القيمة في نفوس المتدربين، «القيمة، القيمة، ولا شيء سوى القيمة!» نحن نفعل ذلك لأننا أشخاص صالحون، مواطنون منتجون، أشخاص يعتمد عليهم، ولسنا مجرد بائسين أو مدمنين يستحقون الشفقة.

الوضع قريب هنا، إن مقاومتك لسيل الحياة الجارف، ونمط الحياة الممرض، الذي يحيط بنا بشراسة، أو مقاومتك لذلك الأسلوب الذي يخيل لك فيه أنك «تخدم» جسدك، بينما أنت تعاقبه فعليًا، هذه المقاومة تحتاج منك إلى قيمة مضافة تستحق أن تتبناها وتدافع عنها، قيمة تقتنع بها ذهنيا ونفسيا، أنت تعتني بجسدك، تعتني بذاتك، تهتم بها، تخدمها، لكن بأسلوب صحيح فعال.

مثلًا.. يصر الجميع على وصف التمارين الرياضية بصفات تدور حول الإرهاق والتعب والعرق واستهلاك وقت في نشاط «كمالي» كما يظن الكثيرون. ننظر لممارسة الرياضة كنوع من الترف الزائد، نحاول أن نقصرها، ونقتصد فيها عند الحاجة الشديدة لها، حين نضطر لها تحت إلحاح طبيب أو معالج! هذا انهيار تام لأي معنى ولأية قيمة نبحث عنها حين نمارس الرياضة.

والحقيقة الواقعية التي تستحق التبني والانتشار أن الرياضة ضرورة حياتية ملحة، خاصة مع نمط حياتنا الحالي، حين تخدم جسدك بالرياضة فإن النفع يعود على جميع أعضاء جسمك وأجهزتك الداخلية، يتحسن تنفسك ولياقة قلبك، يصبح جسدك أقدر على تحمل الإجهاد والضغوط العضلية والنفسية، يصبح ذهنك أسرع استجابة وذاكرتك أفضل وقدرتك على التعلم أفضل، تصبح أكثر ثباتًا انفعاليًا وأكثر هدوءً وترويًا في الحكم على المشاكل، إن ممارسي الرياضة متحَدون بطبعهم، يقبلون التحديات ويعرفون معنى «المقاومة». تفرز الرياضة «الإندروفينات» في مخك، مما يعظم شعورك بالسعادة والرضا عن النفس، تنظف جسدك وتعزز مضادات الأكسدة، اختر رياضة تحبها، واحرص على ألا تقل ممارستك لها عن 150 دقيقة أسبوعيًا؛ فهذا أقل ما يمكن أن تقدمه لجسدك، وهذه هي القيمة التي نبحث عنها، قيمة «خدمة الجسد» الحقيقة، وليس قتله ببطء تحت وطأة السمنة والخمول والراحة الزائفة.

عن م.رشدي عثمان

مؤسس مدونة زبادي، أكتب عن الغذاء الصحي والرياضة والإيجابية، خسرت 60 كجم من وزني، أهوى مشي المسافات الطويلة.

شاهد أيضاً

80-20-food-rule

القاعدة الغذائية 20/80

20/80 ليست حمية ، بل أسلوب حياة. تقول إحداهن: “الطعام صديقي، والاستمرار والثبات هو المفتاح، …

2 تعليقات

  1. خالد المصري

    تسلم يا هندسه.. كلام ثمين فعلا

  2. محمد الحجري

    من أروع ما قرأت

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *