الرئيسية / مميز / احتقار الجسد
not-all-supposed-to-look-the-same

احتقار الجسد

هناك قاعدة مشهورة يعرفها المهتمون بالتسويق؛ وهي أنك إن لم تستطع خلق «حاجة» ما فلن تستطيع بيع شيء. هذه عقيدة تسويقية شبه ثابتة، مهما تغيرت نوعية وطبيعة «الحاجة» التي يخلقها المسوقون، شخصيًّا عرفت هذا جليًّا من اليوم الأول الذي رفع فيه ستيف جوبز جهاز الأيفون في قاعة المؤتمرات التي يلقي فيها خطاباته، قلت لنفسي يومها: «لن أستطيع العيش دون هذا الجهاز»، وهو ماحدث فعليًّا لاحقًا، إن مهمة المسوقين هي خلق وتعظيم «الحاجات»، التي ربما بعضها لم يكن موجودًا من قبل، وسواء كانت تلك الحاجة هي امتلاك أفخم هاتف محمول وما يضيفه لك ذلك من شعور مُتخيّل بالتميز، أو كانت هذه الحاجة هي مجرد سد شعور مفاجئ بالجوع انتابك نتيجة مشاهدتك إعلانًا لصورة وجبة مغرية يعدُك صانعها بالفرح قبل الشبع، أو كانت الحاجة هي رغبتك في التغلب على شعورك بأنك شخص غير جذاب حين تبدو بدينًا مترهلًا، فإن المحصلة النهائية شعورك بالحاجة، وأن هناك شيئًا ما «ينقصك» هو الدافع الأول والأكيد الذي سيجعلك «تشتري- تدفع نقودًا».

دراسة: 70% من النساء البالغات و40% من الرجال البالغين يقولون إنهم شعروا بضغوط من التلفزيون والمجلات للحصول على جسد مثالي. مركز أبحاث المظهر – 2012 

حينما قامت صفحة «فيس بوك» تابعة لفرع عربي من فروع واحد من أندية اللياقة الأمريكية الشهيرة، بوضع صورة لثمرة «كمثرى» كُتب بجوارها جملة: «هذا لا يصلح شكلًا لفتاة» كانت هذه الصفحة تقوم بنفس الدور، كانت تخلق حاجةً لدى السيدات اللاتي سيشاهدن المنشور وترسخ بداخلهن شعورًا كاسحًا بالنقص الذي يصل إلى سلب الأنوثة نفسها من كل سيدة تشبه الكمثرى، مما سيجعل كل سيدة ترى هذا المنشور تفكر -سواء قبلت هذا الأسلوب المشين أو رفضته- أن هناك شيئًا ما ينقصها، فالفتيات «الحقيقيات» لا يبدون بهذا الشكل، ولا يشبهن الكمثرى، لكن الأمر لم يمر كحيلة تسويقية من نادٍ رياضي يرسخ مفهوم التميز لأعضائه أصحاب الأجساد الممشوقة أوالمجاهدين للحصول عليها، ويرسخ مفهوم التعالي عن هؤلاء الذين لم ينضموا بعد لعالم ناديهم المليء بـ«الفتيات الحقيقيات»، لقد تجاوزت أصداء هذا المنشور حدود مواقع التواصل الاجتماعي  لتمثل ما بدا كاضطهاد فجّ للنساء البدينات، في الوقت ذاته ومع الجلبة الكبيرة التي خلفها هذا الحدث، وجعلت النادي الأمريكي صاحب العلامة التجارية يتبرأ من فرعه الذي قام بهذه الدعاية، ظلت تتردد في ذهني معضلة رئيسية تحتل جزءًا كبيرًا من تفكيري مؤخرًا، ألا وهي رغبتنا المحمومة في التميز في أعين الآخرين، والتي منعتنا من التصالح مع ذواتنا حتى دفعتنا إلى احتقار أجسادنا!

كشخص يرسخ جهوده لتحفيز الناس على العناية بأجسادهم وخسارة الوزن الزائد، يؤرقني جدًّا هذا النوع من الضغط النفسي عن طريق المقارنات المجحفة، والتي تُستخدم كنوع من التحفيز على الاعتناء بالجسد، لأن هذا الضغط يُنشأ قيمة مشوهة عند من يتلقاه لا يمكن وصفها إلا بـ«احتقار الجسد». هذا التفكير في ظني يدفعنا إلى ترسيخ المشكلة أكثر، بينما نحن نحاول حلها.

هناك قاعدة غير مكتوبة يبدو أن الجميع قد اتفق عليها تقول؛ لا أحد سيهتم فعليًّا بتغيير جسده ما لم يصل أولًا إلى مرحلة احتقاره، والتقزز منه بشكل كافٍ! كأنه لا سبب آخر يدفعنا إلى ممارسة الرياضة وتقنين الطعام إلا اشمئزازنا من أشكالنا!  كلما سألت أحد عملائي عن السبب الذي يجعله يفكر في خسارة الوزن أجده يقول ما معناه: «صرت أشمئز من شكلي». بل إني أعرف كثيرين طريقتهم الوحيدة في تحفيز أنفسهم للاستمرار في العناية بأجسادهم هي المبالغة في احتقارها، ربما دون أن يشعروا، فأجدهم يطالعون باستمرار صور أكثر العارضين والعارضات والمشاهير رشاقة، إنهم مقتنعون أن طريقتهم في التحفيز هي أن يصبحوا مثل هؤلاء، دون أن يعرفوا أنهم لا شعوريًّا يرسلون لعقولهم مئات الرسائل المسمومة حين يقارنون أنفسهم وأجسادهم بهؤلاء «الخارقين».

ترسيخ الشعور بعدم الأمان

حين تبدأ المقارنات ينهار سد الثقة بالنفس، تنهار القيمة ويصبح هدفك الأوحد أن تكون «مثل فلان». يسألك عقلك ربما دون أن تعي ذلك: كيف تتحمّل نفسك؟ كيف تحيا بسعادة بينما أنت تبدو عاديًا مترهلًا بدينًا، كأنك إنسان «درجة ثانية»، كيف تطيق حياتك وأنت لا تملك قوام جيرارد باتلر، أو أنت لا تملكين فتنة سكارليت وقوام كيم؟ أنتم بائسون مثيرون للشفقة. يرسخ الإعلام والميديا هذا الشعور بقوة، أنه يحتاج شعورنا بعدم الأمان لنظل دومًا مقيدين بهذه النماذج الاستثنائية الخارقة، منبهرين بها، ونظل نبحث عن هذا المنتج الذي يقدمونه لنا، والذي يقنعوننا أننا نحتاجه ليهبنا هذا الأمان!

«هذا الفيض من المعلومات المتطرفة أجبرنا على التفكير أن (الاستثنائي) هو الشائع والعادي الآن. ولأننا جميعًا نادرًا ما نكون الاستثناء الرائع المتميز، فجميعًا نفتقد الشعور بالأمان كثيرًا، وأصابنا البؤس في سعينا للشعور بأننا (استثنائيون) طوال الوقت». مارك مانسون 

المقاييس غير الواقعية

ولأن هذه المقاييس التي يقدمها لنا الإعلام بكثافة، ويسلط الضوء عليها بلا هوادة هي مقاييس غير واقعية إطلاقًا تقترب إلى الكمال المزعوم، فإننا غالبًا نفشل في الوصول إليها، وحين نواجه هذه الصعوبة ونفشل في التحول لهذه الأشكال الأسطورية، سيجد كل منا صوتًا بداخله يقول له وبكلمات مختلفة ما معناه: أنت فاشل، لن تكون مميزًا أبدًا. وهذا سيجعلنا نتمادى في إيذاء أجسادنا وإهمالها، والمبالغة في احتقارها، سنظل نشعر أننا أناس ناقصون نحيا حياةً ناقصة، وسيزداد شعورنا بعدم الأمان، فنبحث عما يخفف عنا هذا، وبالطبع سيكون الطعام أحد هذه المسكنات، سنظل بدناء وربما نزداد بدانة. نعم، أخطأت صفحة الفيس بوك تلك خطأً شنيعًا حين قالت للفتيات اللاتي يشبهن الكمثرى أنهن لسن فتيات حقيقيات، وأنا اليوم في هذا المقال أخبركم أن الأخطر من هذا الخطأ، أننا نقول ذلك لأنفسنا كل يوم!

أن تكون «عاديًا» أصبح التعريف الجديد لوصف «فاشل»! مارك مانسون

كل السيدات يشبهن الكمثرى

كل النساء يشبهن الكمثرى، وكل الرجال يشبهون التفاحة، هذا هو العادي والطبيعي والمنطقي في وسط مجتمع مرهق، مشغول، متوتر، أكول، خامل، ولكي تغيّر العادي إلى ما هو «أفضل»، وليس إلى ما هو «استثنائي» لا بد أن تصدُرَ من قيمة حقيقية، قيمة تنبع من ذاتك في أنك تود الاعتناء بنفسك، لأن هذا «العادي» قد يكون خطرًا على صحتك وحياتك، وليس لأنك فقط تريد أن تتميز ليراك الناس «غير عادي». سيظل جمالك ينبع من ذاتك، سواءً كان قوامك ما زال منبعجًا، أو كان وزنك أعلى من الرقم الذي أخبرك أحدهم أنه الأفضل لك، هذا ليس بخطورة أن تحيا مع شعور رهيب بالنقص وعدم الأمان؛ لأنك لم تصل إلى التميز المنشود.

لقد تجاهلنا أن السيدات اللاتي يشبهن الكمثرى قد يكنّ أمهات عظيمات، أو مدرّسات ملهمات، أو طبيبات ينقذن المرضى، تناسينا أن السيدات اللاتي يشبهن الكمثرى قد يكنّ نقطة الارتكاز في حياة عائلتهن، ومركز الأمان الذي بدونه تنهار العائلة ويضيع ما لا يقدّر بثمن. لا بأس يا سيدتي أن تشبهي الكمثرى، لكني شخصيًّا أقول لك: حاولي أن تقدمي لجسدك ما هو أفضل لأنه بالفعل شيء من الأشياء المهمة في حياتك، والتي تستحق العناية.

في عالم العناية بالجسد هناك قيمة وحيدة مهمة تنبع من داخلك قبل أن تنبع ممن حولك: ماذا تقدّم لجسدك وبأي شيء تخدمه.

ماذا تقدّم لجسدك؟

«أقدم له الوجبات السريعة والمشروبات الغازية الدايت وقطع الشيكولاتة المحلاة بالمحليات الصناعية».

نعم. تستطيع تقديم هذه الأشياء لجسدك دون أن تتحول إلى كمثرى، فيما يسمى بحمية «الجنك فود». بحسبة بسيطة للسعرات الحرارية يمكن تناول هذه المنتجات المُمرِضة والحفاظ على وزنك؛ بل وخسارة الزائد منه أحيانًا. هذه ما تقدمه لجسدك حين لا تريد منه سوى مقاس أصغر. لا تريد إلّا أن تبيعه لمن يراه، حين يكون شغلك الشاغل أن تقنع نفسك أنك أفضل لأن مقاسك «سمول» وهاتفك آيفون! هذه هي مصادر الأمان التي تتكئ عليها، وهي مصادر واهيةٌ جدًّا، لأن غيابها يعني غياب تصالحك مع ذاتك، يعني شعورك بالنقص واللاجدوى. قيمتك تنبع من حقيقة ذاتك سواء رآها الناس أم لم يروها.

هو جسدك أنت، رفيقك الملازم لك حتى نهاية عمرك، كلما اهتممت به كلما اعتنى بك، وكلما أهملته كلما أعياك حمله. اهتم بنفسك لنفسك، وهذه هي نصيحتي الأخيرة التي أود تلخيص المقال فيها: تصالحوا مع أجسادكم لتطوروها، لأن احتقارها سيؤدي إلى إيذائها.

لا تحتقروا أجسادكم؛ بل أحبوها.

لا تشمئزوا منها؛ بل اعتنوا بها.

لا تكرهوها؛ بل حافظوا عليها.

لا تقارنوا أجسادكم بأجساد غيركم، لأن لكل جسد تركيبًا، ولكل جسد توازنًا ولكل جسد نغمة فريدة لا تشبه غيرها.

اكتشفوا نغمة جسدكم، استمعوا له باهتمام لائق، لا تستخدموه كأداة للتباهي والاستعراض والادعاء والمنافسة؛ بل استخدموا عقولكم وجهدكم لتنميته والحفاظ عليه وخدمته، فهو سلعة غالية وفريدة، لكنها سريعة العطب، قابلة للفساد بسهولة، وهذا من الضعف الذي كتبه الله على بني آدم.

أختم مقالي بهذا المقطع العذب من رسالة للكاتبة «أسماء حسين» كتبتها إلى ابنتها:

«سَوْف تَلْحَظين وجود قُوَى تبدو أقوى مِنّي ومنْكِ، والتي ستقوم بكل أسف بمحاولات لا تَنْقَطِع لتحديد قيمتك الشخصية استنادًا إلى مظهرك الخارجيّ فقط. سيخبرونك بأنكِ لَسْتِ جميلة بالقدر الكافي، وِفقًا لمعاييرهم ومقاييسهم للجمال. وسيخبرونكِ أيضًا بأن بَشْرتكِ تبدو شديدة السواد، وأن شعرك كثير التجاعيد، وبأن شَفَتيكِ شديدتا الرُفع أو شديدتا الضخامة. سيُصِرّون على قَوْلهم إما أنك شديدة البدانة، أو شديدة النحافة. سيقولون أيضًا إن حاجِبَيْكِ شديدا السُمْك، وأن قدمَيْك لن تبدو جميلة إلا مع ارتداء الكعب المُرْتَفِع. وأخيرًا، سيُخْبِرونك بأن التجاعيد والانكماشات التي ستَظْهَر على وجهك سَتُشَكِّل حاجِزًا بَيْنك وبَين سعادَتِك.

الجميع سيعمل جاهدًا لإقناعك بأنك قبيحة الشَكْل. وأنكِ تعيسة وتَمْقُتين العديد من الأشياء عن نفسِك. سيعملون على إقناعك بأنه لا بُد لَكِ مِن شِراء العديد من الأشياء مِن أجل محاربة تلك المُلاحظات والعيوب والرؤى عن حالك.

سيبدأ الجميع في إغوائك بالروائح العِطرية والملابِس ومُسْتَحْضرات التجميل، والتي سيَزْعمون أنها ستجعل رائحتك ومَظْهرك وشعورك أقل قُبْحًا، ولَكِنَّهُم ليسوا على صواب». أ.هـ

عن م.رشدي عثمان

مؤسس مدونة زبادي، أكتب عن الغذاء الصحي والرياضة والإيجابية، خسرت 60 كجم من وزني، أهوى مشي المسافات الطويلة.

شاهد أيضاً

041916_1017_1

عن فشل الأيض أو كيف يتكون “الكرش”!

سواءً سمعت هذه النصيحة للمرة الأولى مني أو كنت قد سمعتها من قبل؛ فإن قرارك …

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *